أعمال القلوب -الإخلاص-
المقدمة:
الحمد لله عالم الخفيات، ومحيي العظام وهي رفات، والمتجاوز عن الخطايا والسيئات، بديع الأرض والسماوات، ومفرج الكر بات، والصلاة والسلام على الشفيع في العرصات، والمتعبد لربه في الخلوات والجلوات، خاتم الرسل والرسالات، وعلى آله الأطهار، وصحابته النجباء الأخيار، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم القرار.
أما بعد:
فإن الله – سبحانه وتعالى -لم يخلق خلقه سدى وهملاً، بل جعلهم مورداً للتكليف، ومحلاً للأمر والنهي، وألزمهم فهم ما أرشدهم إليه مجملاً ومفصلاً، وقسمهم إلى شقي وسعيد، وجعل لكل واحد من الفريقين منزلاً، وأعطاهم موارد العلم والعمل من القلب والسمع والبصر والجوارح، نعمة منه وتفضلاً، فمن استعمل ذلك في طاعته، وسلك به طريق معرفته على ما أرشد إليه ولم يبغ عنه عدولاً، فقد قام بشكر ما أوتيه من ذلك، ومن سلك به إلى مضارة الله سبيلاً، ومن استعمله في إرادته وشهوته ولم يرع حق خالقه فيه تحسر إذا سئل عن ذلك، ويحزن حزناً طويلاً، فإنه لا بد من الحساب على حق الأعضاء ؛لقوله – سبحانه وتعالى-:وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَبِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاًسورة الإسراء(36).
ولما كان القلب لهذه الأعضاء كالملك المتصرف في الجنود، الذي تصدر كلها عن أمره، ويستعملها فيما شاء، فكلها تحت عبوديته وقهره، وتكتسب منه الاستقامة والزيغ، وتتبعه فيما يعقده من العزم أو يحيله ، قال – صلى الله عليه وسلم-: "ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله" فهو ملكها، وهي المنفذة لما يأمرها به، القابلة لما يأتيها من هديته، ولا يستقيم لها شيء من أعمالها حتى يصدر عن قصده ونيته، وهو المسؤول عنها كلها؛ لأن كل راع مسؤول عن رعيته لذلك كان الاهتمام بتصحيحه وتسديده أولى ما اعتمد عليه السالكون.
ولما علم عدو الله إبليس أن المدار على القلب والاعتماد عليه، أجلب عليه بالوسواس وأقبل بوجوه الشهوات إليه، وزين له من الأحوال والأعمال ما يصده به عن الطريق وأمده من أسباب الغي بما يقطعه عن أسباب التوفيق، ونصب له المصايد والحبائل ما إن يسلم من الوقوع فيها لم يسلم من أن يحصل له بها التعويق، فلا نجاة من مصايده ومكايده إلابدوام الاستعانة بالله، والتعرض لأسباب مرضاته، والتجاء القلب إليه في حركاته وسكناته، والتحقق بذل العبودية الذي هو أولى ما تلبس به الإنسان ليحصل له الدخول فيضمان:إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌسورة الحجر (42). فهذه الإضافة هي القاطعة بين العبد وبين الشيطان، وحصولها بسبب تحقيق مقام العبودية لرب العالمين، وإشعار القلب، إخلاصه العمل، ودوام اليقين، فإذا أشرب القلب العبودية والإخلاص صار عند الله – سبحانه وتعالى- من المقربين، وشمله استثناء :إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَسورة الحجر(40) .
ولما منّ الله الكريم بلطفه بالاطلاع على ما اطلع عليه من أمراض القلوب وأدوائها، وما يعرض لها من وساوس الشياطين أعدائها، وما تثمرها تلك الوساوس من الأعمال، وما يكسب القلب بعدهما من الأحوال، فإن العمل السيء مصدره عن فساد قصد القلب، ثم يعرض للقلب من فساد العمل قسوة، فيزداد على مرضه حتى يموت، ويبقى لا حياة فيه ولا نور له.
أهمية الموضوع:
تكمن أهمية هذا الموضوع في عدة نقاط رئيسية هي:
1.أن الله أمر بتطهير القلب، فقال تعالى: وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ سورة المدثر (4) والمقصود بالثياب القلب كما هو قول جمهور العلماء.
2.غفلة كثير من المسلمين عن قلوبهم؛ مع الاهتمام الزائد بالأعمال الظاهرة مع أن القلب هو الأساس والمنطلق.
3.أن سلامة القلب وخلوصه سبب للسعادة في الدنيا والآخرة.
4.أن كثيراً من المشاكل بين الناس سببها من القلوب وليس لها أي اعتبار شرعي ظاهر.
5.مكانة القلب في الدنيا والآخرة، قال عز وجل:يَوْمَ لَايَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ سورة الشعراء (88- 89). وقال تعالى:مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ وَجَاء بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ سورة ق(33).
وعن أبي هريرة – رضي الله عنه- قوله –صلى الله عليه وسلم-: " إن الله لا ينظر إلى أجسادكم ولا إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم" وأشار إلى صدره.
وفي حديث النعمان بن بشير – رضي اللهعنه- قوله – صلى الله عليه وسلم- : " إلا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد كله ألا وهي القلب".
6.أن من تعريف الإيمان :وتصديق بالجنان. وفي تعريف آخر: عمل الجوارح وعمل القلب.
فلا إيمان إلا بتصديق القلب وعمله، والمنافقون لم تصدق قلوبهم وعملوا بجوارحهم،ولكنهم لم تنفعهم أعمالهم، بل إنهم في الدرك الأسفل من النار، قال تعالى"إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا سورة النساء(145) .
ولكن قليلاً منا من يقف أمام قلبه فهو يقضي جل وقته في عمله الظاهر، والقلب يمتحن ففي الحديث: "تعرض الفتن على القلوب كعرض الحصير عوداً عوداً، فأي قلب أشربها نكتت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء حتى تعود القلوب على قلبين، قلب أسود وقلب أبيض…!!"وليس الامتحان الابتلاء بالشيء الظاهر كالسجن، أو الفصل من العمل، أو الإيذاء، ولكن الامتحان الأصعب هو امتحان القلوب، وفي قوله تعالى:يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ سورة الأنفال(24) معنى الامتحان.
والقلب كالبحر لاحتوائه على أسرار عجيبة وغموض كبيرة، وأحوال متقلبة، سواءً كانت منكرة؛ كالغفلة – الزيغ – الأقفال-القسوة – الرياء – الحسد – النفاق- العجب- الكبر … والنتيجة الطبع والختم والموت… وصفته أسود.
أو كانت تلك الأحوال والأعمال محمودة؛ كاللين – الإخبات – الخشوع – الإخلاص – المتابعة – الحب – التقوى – الثبات– الخوف – الرجاء- الخشية – التوكل- الرضا – الصبر … والنتيجة السلامة والحياة والإيمان… وصفته أبيض، فالقلب عالم مستقل.
وبما أن القلب عالم مستقل فسنفرد له حلقات عدة للحديث عن بعض أعماله وأحواله، فنقول وبالله وحده نستعين:
أولاً: الإخلاص:
تعريفه:
لغة: الإخلاص لله في الطاعة بترك الرياء.
واصطلاحاً: هو تصفية العمل بصالح النية عن جميع شوائب الشرك.
وقيل: أن يخلص قلبه لله فلا يبقى فيه شرك لغير الله، فيكون الله محبوب قلبه، ومعبودقلبه، ومقصود قلبه فقط.
وقيل: الإخلاص استواء أعمال العبد في الظاهر والباطن، والرياء أن يكون ظاهره خيراًمن باطنه.
وقيل: الإخلاص نسيان رؤية الخلق بدوام النظر إلى الخالق.
أهميته:
إن مما يدل على أهمية الإخلاص ما ورد في الكتاب والسنة من كثرة ذكره، والتحذير من التفريط فيه ، وبيان أنه شرط من شروط قبول العمل الصالح عند الله، قال الله:وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ سورة البينة(5). وقال تعالى:إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينأَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ سورة الزمرَ(2- 3). وقال تعالى:قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًالَّهُ دِينِي فاعْبُدُوا مَا شِئْتُم مِّندُونِهِ سورة الزمر (15- 14).
فالإخلاص لله شرط لقبول العمل، والله لا يقبل من العمل إلا ما أريد به وجهه، ولهذا قال تعالى: وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْعَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُورًا سورة الفرقان(23) وذلك لأنها فقدت الشرط الشرعي، إما الإخلاص فيها، وإما المتابعة لشرع الله، فكل عمل لا يكون خالصاً وعلى الشرعية المرضية فهو باطل.
وقد جمع هذين الشرطين الإمام حافظ حكمي -رحمه الله- في سلم الوصول فقال:
شرط قبول السعي أن يجتمعا فيه إصابة وإخلاص معـاً
لله رب العـرش لا سـواه موافق الشرع الذي ارتضاه
وكـل ما خـالف للوحيـين فإنـه رد بغـير مـين
وترك الإخلاص هو مما خالف الوحيين الكتاب والسنة؛ فإنهما قد جاءا بإثبات هذينالشرطين، وجعلهما شرطين في قبول الأعمال.
وقال تعالى:الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُسورة الملك(2) قال الفضيل بن عياض – رحمه الله- أخلصه وأصوبه. قالو: ما أخلصتهوأصوبه؟ فقال: إن العمل إذا كان خالصاً ولم يكن صواباً لم يقبل، وإذا كان صواباً ولم يكن خالصاً لم يقبل حتى يكون خالصاً صواباً. والخالص: أن يكون لله، والصواب أن يكون على السنة؛ ثم قرأ قوله تعالى:قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا سورة الكهف(110). وقال تعالى: وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً سورةالنساء(125) وإسلام الوجه هو: إخلاص القصد والعمل لله، والإحسان فيه متابعة رسوله– صلى الله عليه وسلم- وسننه.
وعن أبي هريرة – رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم- يقول: "إن أول الناس يقضي يوم القيامة عليه رجل استشهد، فأتي بهفعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت، قال: كذبت ولكن قاتلت لأن يقال جريء، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار.ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن فأتي به فعرفه نعمه فعرفها، قال: ما عملت فيها؟قال: تعلمت العلم وعلمته وقرأت فيك القرآن، قال: كذبت، ولكنك تعلمت العلم ليقال عالم، وقرأت القرآن ليقال قارئ فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار. ورجل وسع الله عليه وأعطاه من أصناف المال كله، فأتي به فعرفه نعمه فعرفها،قال: فما عملت فيها؟ قال: ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك،قال: كذبت ولكنك فعلت ليقال هو جواد، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه ثم ألقي في النار".
وفي الحديث الإلهي يقول الله –تعالى-: " أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه غيري، فهو للذي أشرك به. وأنا منه بريء".ولا شك أن الإخلاص من أعمال القلوب بل هو من أهمها وأعظمها.
وفي الحديث الصحيح: " إن الله لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم".
وعن أنس بن مالك – رضي الله عنه- قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم-: "ثلاث لا يغل عليهم قلب مسلم: إخلاص العمل لله، ومناصحة ولاة الأمور، ولزوم جماعة المسلمين، فإن دعوتهم تكون من ورائهم".
فيا إخوتاه! من وجد الله فماذا فقد!! ومن فقد الله فماذا وجد!!
متى صح منك الود فالكل هين وكل الذي فوق التراب تراب.
إذا اطلع الخبير البصير على الضمير فلم يجد في الضمير غير الخبير، جعل فيه سراجاً منيراً.
ويرحم الله الفضيل بن عياض: أدركنا الناس وهم يراءون بما يعملون، فصار الآن يراءون بما لا يعملون.
يا إخوتاه! أعربنا في القول، ولحنا في العمل، وإخلاصنا يحتاج إلى إخلاص.
إخوتاه! الإخلاص مسك القلب، وماء حياته، ومدار الفلاح كله عليه.
سئل الإمام أحمد بن حنبل – رحمه الله- عن الصدق والإخلاص؟ فقال: بهذا ارتفع القوم.
نعم بضاعة الآخرة لا يرتفع فيها إلا مخلص صادق! .
إنما تحفظ هذه الأمة وتنصر إلا بإخلاص رجالها!
نماذج من إخلاص السلف:
إن خير وسيلة لاستغلال العزائم، وإذكاء الهمم، وتقويم الأخلاق، والتسامي إلى معالي الأمور، والترفع عن سفسافها، والا ئتساء بالأسلاف الأجلاء .. هو قراءة سيرة النبغاء الصلحاء، والاقتراب من العلماء النبهاء العالمين المجدين ذوي المجد الرفيع، واغتنام الباقيات الصالحات، وإخلاص النيات!!.
وهذه نقطة من بحار السلف.. وعجائبهم.. فارعها قلبك، وإن كانت غريبة في عالمنا.. وأيشيء عندهم لا يكون اليوم غريباً، ولسان حالهم يقول:
تركنا البحار الزاخرات ورائنا فمن أين يدري الناس أنا توجهنا.
* هذا السليم الأسلم المذكور بالسواد الأعظم الطوسي محمد بن أٍسلم:
قال خادمه أبو عبد الله: صحبت محمد بن أسلم نيفاً وعشرين سنة لم أره يصلي حيث أراهمن التطوع إلا يوم الجمعة، ولا يسبح ولا يقرأ حيث أراه، ولم يكن أحد أعلم بسره وعلانيته مني، وسمعته يحلف كذا وكذا مرة، أن ول قدرت أن أتطوع حيث لا يراني ملكاي لفعلت، ولكن لا أستطيع ذلك؛ خوفاً من الرياء.
* وهذا سيد الفتيان أيوب بن كيسان المشهور بالسختياني:
يقوم الليل كله، فيخفي ذلك، فإذا كان عند الصبح رفع صوته كأنه قام تلك الساعة.
* وقال عمرو بن ثابت:[ لما مات علي بن الحسين فغسلوه؛ جعلوا ينظرن إلى آثار سواد بظهره، فقالوا: ما هذا؟ فقيل: كان يحمل جرب الدقيق ليلاً على ظهره يعطيه فقراء أهلالمدينة.
* وعن محمد بن إسحاق: كان ناس من أهل المدينة يعيشون لا يدرون من أين كان معاشهم،فلما مات علي بن الحسين فقدوا ما كانوا يؤتون به في الليل.
* وهذا داوود بن أبي هند يصوم أربعين سنة لا يعلم به أهله ولا أحد، وكان خزازاً يحمل معه غداءه من عندهم، فيتصدق به في الطريق، ويرجع عشياً فيفطر معهم، فيظن أهلا لسوق أنه قد أكل في البيت، ويظن أهله أنه قد أكل في السوق.
* وعمرو بن قيس الملائي أقام عشرين سنة صائماً، ما يعلم به أهله، يأخذ غداءه ويغدوا إلى الحانوت، فيتصدق بغدائه ويصوم، وأهله لا يدرون.
وكان إذا حضرته الرقة، يحول وجهه إلى الحائط، ويقول لجلسائه: ما أشد الزكام.
·وقالت سُرّية الربيع بن خثيم: كان عمل الربيع كله سراً، إن كان ليجيء الرجل وقد نشر المصحف فيغطيه بثوبه.
·وإمام أهل السنةأحمد بن حنبل يقول عنه تلميذه أبوبكر المروزي: كنت مع أبي عبد الله نحواً من أربعة أشهر، بالعسكر، وكان لا يدع قيام الليل، وقراءات النهار، فما علمت بختمة ختمها ،وكان يُسر بذلك.
·وقال محمد بن واسع: إن كان الرجل ليبكي عشرين سنة وامرأته معه لا تعلم به.
ويقول: لقد أدركت رجالاً كان الرجل يكون رأسه مع رأس امرأته على وسادة واحدة، قد بلما تحت خده من دموعه، لا تشعر به امرأته، ولقد أدركت رجالاً، يقوم أحدهم في الصف، فتسيل دموعه على خده، ولا يشعر به الذي جنبه.
* وقال الشافعي: وددت أن الخلق تعلموا هذه – يقصد علمه- على أن لا ينسب إلى حرف منه.
* وقال ابن الجوزي في المدهش صـ 415: اشتهر ابن أدهم ببلد، فقيل: هو في البستان الفلاني، فدخل الناس يطوفون ويقولون: أين إبراهيم بن أدهم؟ فجعل يطوف معهم، ويقول:أين إبراهيم بن أدهم؟!.
فهذا غيض من فيض إخبارهم، ونقطة من بحار عجائبهم، وأعمالهم، وأحوالهم سقتها لعلفيها تذكيراً للغافلين، وشحذاً لهمم الصالحين، وأسوة للمقتدين،وإلى حلقة قادمة – بمشيئة الله تعالى- مع عمل آخر من أعمال القلوب، والحمد لله ربالعالمين.أسباب إنشراح الصدر
الحمد لله الأحد الصمد، لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، والصلاة والسلام علىرسول الله محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
فإننا كثيراً ما نشكو قسوة قلوبنا، وجمود أعيننا، وضيق صدورنا، ولا شك أن هناكأسباباً اقترفناها فأوصلتنا إلى هذه الحال السيئة؛ فأصبحنا نقرأ القرآن فلا تدمععيوننا، ولا تلين جوارحنا، ولا توجل قلوبنا، نقرأ آيات الوعد والوعيد، وآيات الجنةوالنار فلا نخشع، والله يقول: لَوْأَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًامِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ سورة الحشر(21).قال ابن كثير رحمه الله-: "فإذا كان الجبل في غلظته وقساوته لو فهم هذا القرآنفتدبر ما فيه لخشع وتصدع من خوف الله -عز وجل- فكيف يليق بكم يا أيها البشر أن لاتلين قلوبكم وتخشع وتتصدع من خشية الله، وقد فهمتم عن الله أمره وتدبرتم كتابه؟!".
أصبحنا -إخواني في الله- نمرّ على القبور وأهلها ولا نقف ولا نتأمل في مصيرنا، ولانفكر بحالنا إذا صرنا إلى ما صاروا إليه، بل نحن عن مصيرنا غافلون، وعن طاعة ربنامحجمون، وفي الذنب والمعصية واقعون.
أضحينا نغسل الموتى، ونحملهم على أكتافنا، ونواريهم الثرى، ولا نتعظ، ولا نخاف، ولانوجل؛ وكأننا مخلدون في هذه الدار، يقول الفضيل بن عياض: كفى بالموت واعظ.
يا نفس توبي فإن الموت قد حانا *** واعصي الهوى فالهوى ما زال فتانا
أما ترين المنايا كيف تلقطنـا *** لقطـا وتلحق أخرانا بأولانـــا؟
في كل يوم لنـا ميت نشيعه *** نرى بمصرعه آثــار موتانـــا
يا نفس ما لي وللأموال أتركها *** خلفي وأخرج من دنياي عريانا
أبعد خمسين قد قضَّيتها لعبا؟ *** قد آن أن تقصـري قد آن قد آنا
ما بالنا نتعـامى عن مصائرنا *** ننسى بغفلتنا من ليس ينسانا
نزداد حرصاً وهذا الدهر يزجرنا *** كأن زاجرنا بالحرص أغرانا
أين الملوك وأبناء الملوك ومن *** كانت تخر له الأذقـان إذعانا؟
صاحت بهم حادثات الدهر فانقلبوا *** مستبدلين من الأوطان أوطانا
خلوا مدائن كان العز مفرشها *** واستفرشوا حفراً غبراً وقيعانـا
يا راكضاً في ميادين الهوى مرحاً *** ورافلاً في ثياب الغي نشوانا
مضى الزمان وولى العمر في لعب*** يكفيك ما قد مضى قد كان ما كان.
وليس هذا فحسب، بل هناك ما هو أعظم من النسيان والغفلة، فإنك تجد كثيراً من شبابناوفتياتنا من إذا رأيته رحمت حاله، وما هو فيه من الهموم والغموم، وكأنه فقد أمه أوأباه أو ما يملكه، فأصبح شريداً طريداً، لا سكن له ولا مأوى، فإذا ما سألته أو سألتعنه قيل لك أن أهله في صحة وعافية، وأنه يتمتع بأموال طائلة وممتلكات فاخرة.. ولكنهيعيش حياة الجحيم في صدره، الذي ضاق ذرعاً بسبب بعده عن الله، بل لقد أدى مثل هذاالحال إلى محاولة التخلص من الحياة بأي وسيلة ولو كان بالانتحار والعياذ بالله، فماالسبب ترى في ذلك؟
إنالسبب في ضيق الصدر ونكد العيش وشقاء الحال هو الإعراض عن الله وعن شرعه، وتركأوامره، وارتكاب محارمه، وصدق الله القائل: وَمَنْأَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَالْقِيَامَةِ أَعْمَى سورة طـه (124). والقائل: فَمَنيُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَنيُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءكَذَلِكَ يَجْعَلُ اللّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ سورةالأنعام(125).
قال ابن القيم رحمه الله: "ومن أعظم أسباب ضيق الصدر الإعراض عن الله -تعالى-،وتعلق القلب بغيره، والغفلة عن ذكره، ومحبة سواه؛ فإن من أحب شيئاً غير الله عذّببه، وسجن قلبه في محبة ذلك الغير، فما في الأرض أشقى منه، ولا أكسف بالاً، ولا أنكدعيشاً، ولا أتعب قلباً".
ونحن في هذا الموضوع لن نتعرض لذكر الأسباب التي أوصلت الكثير إلى هذه الحال، فهيكثيرة،، ولكننا سنذكر الأسباب التي ينشرح بها الصدر، ويطمئن بها القلب، وترتاح بهاالنفس، ليُفهم الشيء من ضده، فكما أن هناك أسباباً لانشراح الصدر، فإن ضدها هو مايجعل الصدر ضيقاً حرجاً،،
فمن أسباب انشراح الصدر وطمأنينة البال ما يلي:
السبب الأول والأهم من أسباب إنشراح الصدر: التوحيد، وعلى حسب كماله وقوته وزيادتهيكون انشراح صدر صاحبه، قال الله تعالى: {فَمَنيُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَنيُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء}سورة الأنعام(125). قال ابن عباس -رضي الله عنهما- في هذه الآية: "يوسع قلبه للتوحيد والإيمان به".فالهدى والتوحيد من أعظم أسباب شرح الصدر، والشرك والضلال من أعظم أسباب ضيق الصدروانحراجه.
السبب الثاني: النور الذي يقذفه الله في قلب العبد، وهو نور الإيمان، فإنه يشرحالصدر ويوسعه، ويفرح القلب، فإذا فقد هذا النور من قلب العبد ضاق وحرج، وصار فيأضيق سجن وأصعبه؛ وقد روى الترمذي في جامعه عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال:إذا دخل النور القلب انفسح وانشرح. قالوا: وماعلامة ذلك يا رسول الله؟ قال: الإنابة إلى دار الخلود،والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل نزوله.فيصيب العبد من انشراح صدره بحسب نصيبه من هذا النور.
السبب الثالث: العلم؛ فإنه يشرح الصدر ويوسعه؛ حتى يكون أوسع من الدنيا، والجهليورثه الضيق والحصر والحبس، فكلما اتسع علم العبد انشرح صدره واتسع، وليس هذا لكلعلم، بل للعلم الموروث عن الرسول -صلى الله عليه وسلم- وهو العلم النافع، فأهلهأشرح الناس صدراً، وأوسعهم قلوباً، وأحسنهم أخلاقاً، وأطيبهم عيشاً.
السبب الرابع: الإنابة إلى الله -سبحانه وتعالى-، ومحبته بكل القلب، والإقبال عليه،والتنعم بعبادته، فلا شيء أشرح لصدر العبد من ذلك حتى إنه ليقول أحياناً: "إن كنتفي الجنة في مثل هذه الحالة فإني إذا في عيش طيب".
السبب الخامس: دوام ذكره على كل حال، وفي كل موطن، فللذكر تأثير عجيب في انشراحالصدر ونعيم القلب وللغفلة تأثير عجيب في ضيقه وحبسه وعذابه.لأن الله قد قال: أَلاَبِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ. وقد شكا رجل إلى الحسن قساوة قلبهفقال: أدنه من الذكر. وقال: مجلس الذكر محياة العلم ويحدث في القلب الخشوع، القلوبالميتة تحيا بالذكر كما تحيا الأرض الميتة بالقطر.
بذكر الله ترتاح القلوب *** و دنيانا بذكراه تطيب
السبب السادس: الإحسان إلى الخلق، ونفعهم بما يمكنه من المال والجاه، والنفعبالبدن، وأنواع الإحسان، فإنَّ الكريم المحسن أشرح الناس صدراً، وأطيبهم نفساً،وأنعمهم قلباً، والبخيل الذي ليس فيه إحسان أضيق الناس صدراً، وأنكدهم عيشاً،وأعظمهم هماً وغماً.
السبب السابع: الشجاعة، فإن الشجاع منشرح الصدر، واسع البال، متسع القلب، والجبان:أضيق الناس صدراً، وأحصرهم قلباً، لا فرحة له ولا سرور، ولا لذة له ولا نعيم إلا منجنس ما للحيوان البهيمي.
السبب الثامن: إخراج دغل القلب من الصفات المذمومة التي توجب ضيقه وعذابه، وتحولبينه وبين حصول البرء، فإنَّ الإنسان إذا أتى الأسباب التي تشرح صدره، ولم يخرج تلكالأوصاف المذمومة من قلبه لم يحظ من انشراح صدره بطائل، وغايته أن يكون له مادتانتعتوران على قلبه، وهو للمادة الغالبة عليه منهما.
السبب التاسع: ترك فضول النظر والكلام والاستماع والمخالطة والأكل والنوم؛ فإن هذهالفضول تستحيل آلاماً وغموماً وهموماً في القلب تحصره، وتحبسه وتضيقه، ويتعذب بها،بل غالب عذاب الدنيا والآخرة منها، فلا إله إلا الله ما أضيق صدر من ضرب في كل آفةمن هذه الآفات بسهم! وما أنكد عيشه! وما أسوأ حاله! وما أشد حصر قلبه! ولا إله إلاالله ما أنعم عيش من ضرب في كل خصلة من تلك الخصال المحمودة بسهم، وكانت همته دائرةعليها، حائمة حولها! فلهذا نصيب وافر من قوله تعالى: إِنَّالْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍسورة الانفطار (13). ولذلك نصيب وافر من قوله تعالى: وَإِنَّالْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍسورة الانفطار(14). وبينهما مراتب متفاوتة لا يحصيها إلا الله -تبارك وتعالى-.
فهذه من الأسباب العظيمة التي تكون سبباً لراحة القلب وسعادة الإنسان في الدنياوالآخرة.
نسأل الله أن يشرح صدورنا، وأن ينفس كروبنا، وأن يلهمنا رشدنا، وأن يقينا شرورأنفسنا.
اللهم إنا عبيدك بنو عبيدك بنو أمائك نواصينا بيدك، ماض فينا حكمك، عدل فينا قضاؤك،نسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدا من خلقك، أواستأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا، ونور صدورنا،وجلاء أحزاننا، وذهاب همومنا.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.أسباب إنشراح الصدر
الحمد لله الأحد الصمد، لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، والصلاة والسلام على
رسول الله محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
فإننا كثيراً ما نشكو قسوة قلوبنا، وجمود أعيننا، وضيق صدورنا، ولا شك أن هناك
أسباباً اقترفناها فأوصلتنا إلى هذه الحال السيئة؛ فأصبحنا نقرأ القرآن فلا تدمع
عيوننا، ولا تلين جوارحنا، ولا توجل قلوبنا، نقرأ آيات الوعد والوعيد، وآيات الجنة
والنار فلا نخشع، والله يقول:
لَوْ
أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا
مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ سورة الحشر(21).
قال ابن كثير رحمه الله-: "فإذا كان الجبل في غلظته وقساوته لو فهم هذا القرآن
فتدبر ما فيه لخشع وتصدع من خوف الله -عز وجل- فكيف يليق بكم يا أيها البشر أن لا
تلين قلوبكم وتخشع وتتصدع من خشية الله، وقد فهمتم عن الله أمره وتدبرتم كتابه؟!".
أصبحنا -إخواني في الله- نمرّ على القبور وأهلها ولا نقف ولا نتأمل في مصيرنا، ولا
نفكر بحالنا إذا صرنا إلى ما صاروا إليه، بل نحن عن مصيرنا غافلون، وعن طاعة ربنا
محجمون، وفي الذنب والمعصية واقعون.
أضحينا نغسل الموتى، ونحملهم على أكتافنا، ونواريهم الثرى، ولا نتعظ، ولا نخاف، ولا
نوجل؛ وكأننا مخلدون في هذه الدار، يقول الفضيل بن عياض: كفى بالموت واعظ.
يا نفس توبي فإن الموت قد حانا *** واعصي الهوى فالهوى ما زال فتانا
أما ترين المنايا كيف تلقطنـا *** لقطـا وتلحق أخرانا بأولانـــا؟
في كل يوم لنـا ميت نشيعه *** نرى بمصرعه آثــار موتانـــا
يا نفس ما لي وللأموال أتركها *** خلفي وأخرج من دنياي عريانا
أبعد خمسين قد قضَّيتها لعبا؟ *** قد آن أن تقصـري قد آن قد آنا
ما بالنا نتعـامى عن مصائرنا *** ننسى بغفلتنا من ليس ينسانا
نزداد حرصاً وهذا الدهر يزجرنا *** كأن زاجرنا بالحرص أغرانا
أين الملوك وأبناء الملوك ومن *** كانت تخر له الأذقـان إذعانا؟
صاحت بهم حادثات الدهر فانقلبوا *** مستبدلين من الأوطان أوطانا
خلوا مدائن كان العز مفرشها *** واستفرشوا حفراً غبراً وقيعانـا
يا راكضاً في ميادين الهوى مرحاً *** ورافلاً في ثياب الغي نشوانا
مضى الزمان وولى العمر في لعب*** يكفيك ما قد مضى قد كان ما كان.
وليس هذا فحسب، بل هناك ما هو أعظم من النسيان والغفلة، فإنك تجد كثيراً من شبابنا
وفتياتنا من إذا رأيته رحمت حاله، وما هو فيه من الهموم والغموم، وكأنه فقد أمه أو
أباه أو ما يملكه، فأصبح شريداً طريداً، لا سكن له ولا مأوى، فإذا ما سألته أو سألت
عنه قيل لك أن أهله في صحة وعافية، وأنه يتمتع بأموال طائلة وممتلكات فاخرة.. ولكنه
يعيش حياة الجحيم في صدره، الذي ضاق ذرعاً بسبب بعده عن الله، بل لقد أدى مثل هذا
الحال إلى محاولة التخلص من الحياة بأي وسيلة ولو كان بالانتحار والعياذ بالله، فما
السبب ترى في ذلك؟
إن
السبب في ضيق الصدر ونكد العيش وشقاء الحال هو الإعراض عن الله وعن شرعه، وترك
أوامره، وارتكاب محارمه، وصدق الله القائل: وَمَنْ
أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ أَعْمَى سورة طـه (124). والقائل: فَمَن
يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن
يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء
كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ سورة
الأنعام(125).
قال ابن القيم رحمه الله: "ومن أعظم أسباب ضيق الصدر الإعراض عن الله -تعالى-،
وتعلق القلب بغيره، والغفلة عن ذكره، ومحبة سواه؛ فإن من أحب شيئاً غير الله عذّب
به، وسجن قلبه في محبة ذلك الغير، فما في الأرض أشقى منه، ولا أكسف بالاً، ولا أنكد
عيشاً، ولا أتعب قلباً".
ونحن في هذا الموضوع لن نتعرض لذكر الأسباب التي أوصلت الكثير إلى هذه الحال، فهي
كثيرة،، ولكننا سنذكر الأسباب التي ينشرح بها الصدر، ويطمئن بها القلب، وترتاح بها
النفس، ليُفهم الشيء من ضده، فكما أن هناك أسباباً لانشراح الصدر، فإن ضدها هو ما
يجعل الصدر ضيقاً حرجاً،،
فمن أسباب انشراح الصدر وطمأنينة البال ما يلي:
السبب الأول والأهم من أسباب إنشراح الصدر: التوحيد، وعلى حسب كماله وقوته وزيادته
يكون انشراح صدر صاحبه، قال الله تعالى:
{فَمَن
يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن
يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء}
سورة الأنعام(125).
قال ابن عباس -رضي الله عنهما- في هذه الآية: "يوسع قلبه للتوحيد والإيمان به".
فالهدى والتوحيد من أعظم أسباب شرح الصدر، والشرك والضلال من أعظم أسباب ضيق الصدر
وانحراجه.
السبب الثاني: النور الذي يقذفه الله في قلب العبد، وهو نور الإيمان، فإنه يشرح
الصدر ويوسعه، ويفرح القلب، فإذا فقد هذا النور من قلب العبد ضاق وحرج، وصار في
أضيق سجن وأصعبه؛ وقد روى الترمذي في جامعه عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال:
إذا دخل النور القلب انفسح وانشرح. قالوا: وما
علامة ذلك يا رسول الله؟ قال: الإنابة إلى دار الخلود،
والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل نزوله.فيصيب العبد من انشراح صدره بحسب نصيبه من هذا النور.
السبب الثالث: العلم؛ فإنه يشرح الصدر ويوسعه؛ حتى يكون أوسع من الدنيا، والجهل
يورثه الضيق والحصر والحبس، فكلما اتسع علم العبد انشرح صدره واتسع، وليس هذا لكل
علم، بل للعلم الموروث عن الرسول -صلى الله عليه وسلم- وهو العلم النافع، فأهله
أشرح الناس صدراً، وأوسعهم قلوباً، وأحسنهم أخلاقاً، وأطيبهم عيشاً.
السبب الرابع: الإنابة إلى الله -سبحانه وتعالى-، ومحبته بكل القلب، والإقبال عليه،
والتنعم بعبادته، فلا شيء أشرح لصدر العبد من ذلك حتى إنه ليقول أحياناً: "إن كنت
في الجنة في مثل هذه الحالة فإني إذا في عيش طيب".
السبب الخامس: دوام ذكره على كل حال، وفي كل موطن، فللذكر تأثير عجيب في انشراح
الصدر ونعيم القلب وللغفلة تأثير عجيب في ضيقه وحبسه وعذابه.
لأن الله قد قال:
{أَلاَ
بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ}. وقد شكا رجل إلى الحسن قساوة قلبه
فقال: أدنه من الذكر. وقال: مجلس الذكر محياة العلم ويحدث في القلب الخشوع، القلوب
الميتة تحيا بالذكر كما تحيا الأرض الميتة بالقطر.
بذكر الله ترتاح القلوب *** و دنيانا بذكراه تطيب
السبب السادس: الإحسان إلى الخلق، ونفعهم بما يمكنه من المال والجاه، والنفع
بالبدن، وأنواع الإحسان، فإنَّ الكريم المحسن أشرح الناس صدراً، وأطيبهم نفساً،
وأنعمهم قلباً، والبخيل الذي ليس فيه إحسان أضيق الناس صدراً، وأنكدهم عيشاً،
وأعظمهم هماً وغماً.
السبب السابع: الشجاعة، فإن الشجاع منشرح الصدر، واسع البال، متسع القلب، والجبان:
أضيق الناس صدراً، وأحصرهم قلباً، لا فرحة له ولا سرور، ولا لذة له ولا نعيم إلا من
جنس ما للحيوان البهيمي.
السبب الثامن: إخراج دغل القلب من الصفات المذمومة التي توجب ضيقه وعذابه، وتحول
بينه وبين حصول البرء، فإنَّ الإنسان إذا أتى الأسباب التي تشرح صدره، ولم يخرج تلك
الأوصاف المذمومة من قلبه لم يحظ من انشراح صدره بطائل، وغايته أن يكون له مادتان
تعتوران على قلبه، وهو للمادة الغالبة عليه منهما.
السبب التاسع: ترك فضول النظر والكلام والاستماع والمخالطة والأكل والنوم؛ فإن هذه
الفضول تستحيل آلاماً وغموماً وهموماً في القلب تحصره، وتحبسه وتضيقه، ويتعذب بها،
بل غالب عذاب الدنيا والآخرة منها، فلا إله إلا الله ما أضيق صدر من ضرب في كل آفة
من هذه الآفات بسهم! وما أنكد عيشه! وما أسوأ حاله! وما أشد حصر قلبه! ولا إله إلا
الله ما أنعم عيش من ضرب في كل خصلة من تلك الخصال المحمودة بسهم، وكانت همته دائرة
عليها، حائمة حولها! فلهذا نصيب وافر من قوله تعالى: إِنَّ
الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ
سورة الانفطار (13). ولذلك نصيب وافر من قوله تعالى: وَإِنَّ
الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ
سورة الانفطار(14). وبينهما مراتب متفاوتة لا يحصيها إلا الله -تبارك وتعالى-.
فهذه من الأسباب العظيمة التي تكون سبباً لراحة القلب وسعادة الإنسان في الدنيا
والآخرة.
نسأل الله أن يشرح صدورنا، وأن ينفس كروبنا، وأن يلهمنا رشدنا، وأن يقينا شرور
أنفسنا.
اللهم إنا عبيدك بنو عبيدك بنو أمائك نواصينا بيدك، ماض فينا حكمك، عدل فينا قضاؤك،
نسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدا من خلقك، أو
استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا، ونور صدورنا،
وجلاء أحزاننا، وذهاب همومنا.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.الحمد لله معطي الجزيل لمن أطاعه ورجاه، وشديد العقاب لمن أعرض عن ذكره وعصاه، اجتبى من شاء بفضله فقربه وأدناه، وأبعد من شاء بعدله فولاه ما تولاه، أنزل القرآن رحمة للعالمين، ومناراً للسالكين، فمن تمسك به نال مناه، ومن تعدى حدوده وأضاع حقوقه؛ خسر دينه ودنياه، أحمده على ما تفضل به من الإحسان وأعطاه، وأشكره على نعمه الدينية والدنيوية، وما أجدر الشاكر بالمزيد وأولاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الكامل في صفاته، المتعالي عن النظراء والأشباه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الذي اختاره على البشر واصطفاه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان ما انشق الصبح وأشرق ضياه، وسلم تسليم، أما بعد:
فإنَّ من أصول العقيدة الإسلامية الصحيحة أن يثبت لله ما أثبته لنفسه من الأسماء والصفات، وما أثبته له رسوله في سنته، وينفى عنه من الأسماء والصفات ما نفاه الله عن نفسه أو نفاه عنه رسوله، ومما جاء إثباته في الكتاب والسنة، وأجمع العلماء عليه من صفات الله -تعالى- صفة الكلام: “ومن كلام الله تعالى: القرآن العظيم، وهو كتاب الله المبين، وحبله المتين، وتنزيل رب العالمين، نزل به الروح الأمين، على قلب سيد المرسلين، بلسان عربي مبين، منزل غير مخلوق، منه بدأ، وإليه يعود”.
ولن يستقيم إيمان عبد حتى يؤمن بالله وملائكته، وكتبه ورسله، واليوم الآخر، وبالقدر خير وشره، ومن الإيمان بكتبه الإيمان بأن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق؛ يَقول شيخ الإِسلام – رحمه الله -: “ومن الإِيمان بالله، وملائكته، وكتبه؛ الإِيمان بأن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق، منه بدأ وإِليه يعود، وأن الله تعالى تكلم به حقيقة، وأن هذا القرآن الذي أنزله على محمد ﷺ هو كلام الله حقيقة لا كلام غيره، ولا يجوز إِطلاق القول بأنه حكاية عن كلام الله، أو عبارة عنه، بل إِذا قرأه الناس أو كتبوه بذلك في المصاحف لم يخرج بذلك عن أن يكون كلام الله تعالى حقيقةً، فإِن الكلام إنما يضاف حقيقة إِلى من قاله مبتدئًا لا إِلى من قاله مُبلِّغًا مؤدِّيًا، وهو كلام الله، حروفه ومعانيه، ليس كلام الله الحروف دون المعاني، ولا المعاني دون الحروف”.
قال حافظ حكمي بعد أن سرد الآيات التي فيها أن القرآن كلام الله: “والآيات في هذا الباب كثيرة جداً، بل القرآن كله فاتحته إلى خاتمته يشهد بأنه كلام الله، وتنزيله، وقصصه، وتعليمه، وألفاظه، ومعانيه، وإيجازه، وإعجازه؛ يرشد إلى أنه كلام الخالق وصفته، وأنه لا يستطيع البشر الإتيان بسورة من مثله، وقد أقرّ بذلك كل عاقل حتى المشركون”.
ثم بيَّن عقيدة أهل الحق – أهل السنة والجماعة – في القرآن فقال: “ونحن وجميع أهل السنة والجماعة نشهد الله الذي أنزله بعلمه، وشهد به، ونشهد ملائكته الذين شهدوا بذلك، ونشهد رسوله الذي أنزل عليه، وبلغه إلى الأمة، ونشهد جميع المؤمنين الذين صدقوه، وآمنوا به؛ أنا مؤمنون مصدقون، شاهدون بأنه كلام الله وتنزيله، وأنه تكلم به قولاً، وأنزله على رسوله وحياً، ولا نقول إنه حكاية عن كلام الله أو عبارة، بل هو عين كلام الله حروفه ومعانيه، نزل به من عنده الروح الأمين على محمد خاتم المرسلين”.
وهذا القرآن أنزله الله على قلب سيد المرسلين بواسطة جبريل الأمين، بلسان عربي مبين، في شهر الرحمة والغفران، والعتق من النيران؛ يقول المولى -جل في علاه-: شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ ، قال الحافظ المؤرخ المفسر ابن كثير: “يمدح تعالى شهرَ الصيام من بين سائر الشهور بأن اختاره من بينهن لإنزال القرآن العظيم فيه، وكما اختصه بذلك قد ورد الحديث بأنه الشهر الذي كانت الكتب الإلهية تنزل فيه “ فعن واثلة بن الأسقع أن رسول الله ﷺ قال: ( أنزلت صُحُف إبراهيم في أول ليلة من رمضان، وأنزلت التوراة لسِتٍّ مَضَين من رمضان، والإنجيل لثلاث عَشَرَةَ خلت من رمضان، وأنزل الله القرآن لأربع وعشرين خلت من رمضان ) أما الصحف، والتوراة، والزبور، والإنجيل؛ فنزل كل منها على النبي الذي أنزل عليه جملة واحدة، وأما القرآن فإنما نزل جملة واحدة إلى بيت العزة من السماء الدنيا، وكان ذلك في شهر رمضان، في ليلة القدر منه؛ كما قال تعالى: إِنَّا أَنزلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ، وقال: إِنَّا أَنزلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ ، ثم نزل بعدُ مفرّقًا بحسب الوقائع على رسول الله ﷺ ، وهذا ما روي من غير وجه عن ابن عباس فقد سأله عطية بن الأسود فقال: وقع في قلبي الشك من قول الله – تعالى -: شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزلَ فِيهِ الْقُرْآنُ ، وقوله: إِنَّا أَنزلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ وقوله: إِنَّا أَنزلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ، وقد أنزل في شوال، وفي ذي القعدة، وفي ذي الحجة، وفي المحرم، وصفر، وشهر ربيع؟ فقال ابن عباس : إنه أنزل في رمضان في ليلة القدر، وفي ليلة مباركة جملة واحدة، ثم أنزل على مواقع النجوم ترتيلاً في الشهور والأيام.
وفي رواية عن ابن عباس قال: أنزل القرآن في النصف من شهر رمضان إلى سماء الدنيا فجعل في بيت العِزَّة، ثم أنزل على رسول الله ﷺ في عشرين سنة لجواب كلام الناس، وفي رواية عن ابن عباس قال: نزل القرآن في شهر رمضان في ليلة القدر إلى هذه السماء الدنيا جملة واحدة، وكان الله يُحْدثُ لنبيه ما يشاء، ولا يجيء المشركون بمثَل يخاصمون به إلا جاءهم الله بجوابه، وذلك قوله: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نزلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلا وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا .
وخلاصة المسألة في نزول القرآن أن الإنزال يأتي بمعنيين
الأول: أنه أنزل في ليلة القدر جملة إلى السماء الدنيا كما ثبت عن ابن عباس – رضي الله عنهما -.
والثاني: أن معنى إنزاله فيها ابتداء نزوله كما قال به بعضهم، ثم بعد ذلك تتابع نزوله من السماء الدنيا حسب الوقائع والأحداث خلال ثلاث وعشرين سنة. ونحن – عباد الله – في شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن، وقد كان نبينا ﷺ يتدارس مع جبريل القرآن في هذا الشهر المبارك، فقد كان جبريل يعارض النبي ﷺ القرآن في رمضان كل سنة مرة، فلما كان العام الذي توفي فيه عارضه مرتين تأكيدا ًوتثبيتاً، وكان السلف الصالح يكثرون من تلاوة القرآن في رمضان في الصلاة وغيرها، فقد كان الزهري – رحمه الله – إذا دخل رمضان يقول: “إنما هو تلاوة القرآن، وإطعام الطعام”، وكان مالك – رحمه الله – إذا دخل رمضان ترك قراءة الحديث، ومجالس العلم، وأقبل على قراءة القرآن من المصحف. فعلينا أن نتدارس القرآن فيما بيننا، وأن نتلوه حق تلاوته، وتلاوته على نوعين:
النوع الأول: تلاوة لفظية وهي قراءته، وقد جاءت النصوص الكثيرة في فضلها إما في جميع القرآن، وإما في سور، أو آيات معينة منه، فمن ذلك ما جاء عن عثمان بن عفان أن النبي ﷺ قال: خيركم من تعلم القرآن وعلمه ، وعن عائشة – رضي الله عنها – أن النبي ﷺ قال: الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن، ويتتعتع فيه، وهو عليه شاق؛ له أجران والأجران أحدهما على التلاوة، والثاني على مشقتها على القارئ، وعن عبدالله بن مسعود أن النبي ﷺ قال: من قَرأ حرفاً من كتاب الله فَلَهُ به حَسَنَةٌ، والحسنَةُ بعشْر أمْثالها، لا أقُول الم حرفٌ، ولكن ألفٌ حرفٌ، ولاَمٌ حرفٌ، وميمٌ حرفٌ ، وغير ذلك من النصوص التي جاء في الحث على تلاوة القرآن.
النوع الثاني: تلاوة حكمية، وذلك بتصديق أخباره، واتباع أحكامه، فعلاً للمأمورات، وتركاً للمنهيات: وهذا النوع هو الغاية الكبرى من إنزال القرآن؛ كما قال تعالى: كِتَـبٌ أَنزَلْنَـهُ إِلَيْكَ مُبَـرَكٌ لِّيَدَّبَّرُواْ ءَايَـتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُو الاَْلْبَـبِ . ولهذا درج السلف الصالح على ذلك يتعلمون القرآن، ويصدقون به، ويطبقون أحكامه تطبيقاً إيجابياً عن عقيدة راسخة، ويقين صادق قال أبو عبدالرحمن السلمي – رحمه الله -: “حدثنا الذين كانوا يقرؤوننا القرآن عثمان بن عفان، وعبدالله بن مسعود، وغيرهما، أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي ﷺ عشر آيات لم يتجاوزوها حتى يتعلموها، وما فيها من العلم والعمل، قالوا: فتعلمنا القرآن، والعلم، والعمل جميعاً.
وهذا النوع من التلاوة هو الذي عليه مدار السعادة والشقاوة قال الله -تعالى-: فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّى هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَاىَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَى وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيـمَةِ أَعْمَى قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِى أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَـتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى وَكَذلِكَ نَجْزِى مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِن بِـَايَـتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الاَْخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى . فبيَّن الله في هذه الآيات الكريمة ثواب المتبعين لهداه الذي أوحاه إلى رسله، وأعظمه هذا القرآن العظيم، وبيَّن عقاب المعرضين عنه، أما ثواب المتبعين له فلا يضلون ولا يشقون، ونفي الضلال والشقاء عنهم يتضمن كمال الهداية والسعادة في الدنيا والآخرة، وأما عقاب المعرضين عنه، المتكبرين عن العمل به؛ فهو الشقاء والضلال في الدنيا والآخرة، فإن له معيشة ضنكا، فهو في دنياه في هم وقلق نفس ليس له عقيدة صحيحة، ولا عمل صالح: أُوْلَـئِكَ كَالأَنْعَـمِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْغَـفِلُونَ .
وهو في قبره في ضيق وضنك، قد ضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه، وهو في حشره أعمى لا يبصر: وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَـمَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَّأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا ، فهم لما عموا في الدنيا عن رؤية الحق، وصموا عن سماعه، وأمسكوا عن النطق به: وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فيْ أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِى ءَاذانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَـمِلُونَ ؛ جازاهم الله في الآخرة بمثل ما كانوا عليه في الدنيا، وأضاعهم كما أضاعوا شريعته: قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِى أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَـتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى جَزَآءً وِفَـاقاً .
وعن أبي مالك الأشعري أن النبي ﷺ قال: القرآن حجة لك أو عليك ، وقال ابن مسعود : “القرآن شافع مشفع، فمن جعله أمامه قاده إلى الجنة، ومن جعله خلف ظهره ساقه إلى النار”، فيا من كان القرآن خصمه؛ كيف ترجو ممن جعلته خصمك الشفاعة؟ ويل لمن شفعاؤه خصماؤه يوم تربح البضاعة .
اللهم ارزقنا تلاوة كتابك حق التلاوة، واجعلنا ممن نال به الفلاح والسعادة، اللهم ارزقنا إقامة لفظه ومعناه، وحفظ حدوده ورعاية حرمته، اللهم اجعلنا من الراسخين في العلم المؤمنين بمحكمه ومتشابهه تصديقاً بأخباره، وتنفيذاً لأحكامه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله، وصحبه أجمعين.
رابط الدرس: https://alimam.ws/ref/647
نمط النص
محاذاة النص
حجم الخط